أحمد بن علي القلقشندي

280

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

نغمة لذيذة كنغمة الأوتار ، وصوتا منكرا كصوت الحمار ، وأن لها في الفم حلاوة كحلاوة العسل ، ومرارة كمرارة الحنظل . ولا حجة لاستعمال العرب لهذه الألفاظ ، فإن استحسان الألفاظ واستقباحها لا يؤخذ بالتقليد من العرب ، لأنه ليس للتقليد فيه مجال ؛ وإنما له خصائص وهيئات وعلامات إذا وجدت علم حسنه من قبحه واللَّه أعلم . الأصل الثالث من صناعة إنشاء الكلام ، تركيب الكلام ، وترتيب الألفاظ والنظر فيه من وجوه الوجه الأوّل في بيان فضل المعرفة بذلك ، ومسيس حاجة الكاتب إلى معرفته ، والإشارة إلى خفي سره وتوعّر مسلكه قال أبو هلال العسكريّ : وأجناس الكلام المنظوم ثلاثة : الرسائل ، والخطب ، والشعر ؛ جميعها يحتاج إلى حسن التأليف ، وجودة التركيب ؛ وحسن التأليف يزيد المعنى وضوحا وشرحا ، ومع سوء التأليف ورداءة الرّصف والتركيب شعبة من التعمية ؛ فإذا كان المعنى سيّئا ، ورصف الكلام رديئا ( 1 ) ، لم يوجد له قبول ، ولم تظهر عليه طلاوة . فإذا كان المعنى وسطا ورصف الكلام جيدا ، كان أحسن موقعا وأطيب مستمعا ، فهو بمنزلة العقد إذا جعل كل خرزة منه إلى ما يليق بها كان رائقا في المرأى ، وإن لم يكن مرتفعا نبيلا ( 2 ) ؛ وإن اختلّ نظمه فضمّت الحبة منه إلى ما لا يليق بها اقتحمته العين وإن كان فائقا ثمينا ؛ وحسن الرّصف أن توضع الألفاظ في مواضعها ، وتمكَّن من أماكنها ، ولا يستعمل فيها التقديم والتأخير والحذف والزيادة إلا حذفا لا يفسد الكلام ، ولا يعمّي المعنى ، وتضم كل لفظة

--> ( 1 ) في الصناعتين : 167 : « فإذا كان المعنى سبيّا ، ورصف الكلام رديّا . ( 2 ) في المرجع السابق : « جليلا » .